آخر الاخبارلبنان

التيار: عداء منذ اللحظة الأولى

سنة من عمر التيار الوطني الحر، وخلفه العهد، توازي السنوات الثلاث الأولى من عمر العهد. بين 17 تشرين الأول عام 2019 و17 تشرين الأول عام 2020، يحق للتيار الوطني الحر أن يقوم بمراجعة نقدية شاملة، على غرار ما فعله رئيسه النائب جبران باسيل في ذكرى 13 تشرين الأول. لكن المراجعة تقتضي أيضاً علمياً أن يقدم الطرف السياسي جردة حساب بما له وما عليه، في كل التطورات السياسية التي حصلت. فكيف الحال والتيار هو حزب العهد، وله في السلطة أربع سنوات، وفي الحكومات المتعاقبة منذ عام 2015، حضور أثبت فعّاليته بسلبياته وإيجابياته، فلم يعد أي طرف قادراً على تجاوزه. شكّل 17 تشرين الأول مفصلاً في حياة التيار، تماماً كمحطات أخرى، 7 آب، و13 تشرين، لكن بمنظور يختلف 180 درجة.

الواقعية السياسية تقتضي القول بأن التيار هو من صلب الحراك الشعبي، كان فيه قبل أن يصبح تياراً، في التسعينيات، وظل فيه خلال مرحلة الوجود السوري، وفي عام 2005. لكن وجهة التظاهرات اختلفت كما تغيّرت معها خطب التيار وأدبياته. والواقعية أيضاً تقتضي القول بأن جمهور التيار كشريحة شعبية وشبابية، عاشت زمن انطلاقتها في الشارع، وعلى الأرض وفي المواجهات مع السلطة. لكن هذا الزمن، انتهى عند حد فاصل اسمه 17 تشرين الأول، لأن التظاهرات الشعبية تركت سلبيات واضحة على أداء التيار وموقعه في المعادلة السياسية، وإن ظل غطاء العهد ورئاسة الجمهورية ركيزة أساسية في دعمه وإبقائه أحد أركان السلطة.

(هيثم الموسوي)

منذ الانتخابات النيابية، تغيّر واقع التيار الوطني على الأرض. يمكن له أن يتغنى بأنه فاز بأكبر قوة نيابية مسيحية، لم تكن صافية تماماً، وبأنه يبني مقره العام على أهم نقطة مركزية عند نهر الكلب، لكن التيار يدرك تماماً أن نتائج الانتخابات كانت إشارة أولية إلى تغيّر المزاج الشعبي، وأن هناك منافسة من داخل الصف المسيحي، تضاف إلى انتقادات من قوى حليفة ومعارضة بدأت تفرض إيقاعها. والإشارة الأقوى أتت مع الانتفاضة الشعبية.
بعد أيام قليلة على خطاب ذكرى 13 تشرين، الذي دعا فيه باسيل رئيس الجمهورية إلى قلب الطاولة، انطلقت التظاهرات الشعبية المعارضة. لم يتوقع التيار الوطني أن يكون مستوى ما يجري على الأرض بهذا العنف اللفظي والاحتجاجي، أو أن تكون ردة الفعل بهذا الحجم موجهة ضده وضد العهد، بعدما كسر المتظاهرون كل القواعد في التعامل معهما من دون قفازات، ما استدعى انكفاء التيار وزراء ونواباً وقيادات عن الواجهة. التخبط في الأيام الأولى في مواجهة التظاهرات، إعلامياً وسياسياً، عكس تخبطاً أيضاً داخل صفوف التيار الوطني الذي كان يشهد قبل شهور معارضات بالجملة داخل البيت الواحد، نتيجة تفرد رئيس التيار بقراراته. الإيجابية اليتيمة لما جرى أن التيار تجاوز خلافاته الداخلية، لحظة التعرض لرئيس الجمهورية، وإن ظلت أصوات المعترضين على أداء رئيس التيار وبعض وزرائه فاعلة في الأوساط النيابية والقيادية، وحتى عائلة رئيس الجمهورية. فاستهداف عون بما يحمل من ثقل عاطفي وشعبي، ساهم في إبقاء محازبي التيار والعونيين صفاً واحداً معترضاً على أداء المتظاهرين، وخصوصاً مع وجود قوى حزبية على الأرض كالقوات اللبنانية والكتائب. وهذا الاستهداف يختلف تماماً عن التعرض لشخص باسيل، بما يحمل من استفزازات سياسية، حتى بالنسبة إلى أكثر المناصرين العونيين تشدداً. وقد جرى التعبير عنه يوم دعا التيار مناصريه إلى طريق القصر الجمهوري دعماً للعهد في مستهل تشرين الثاني، رداً على استهدافه، وما جرى أيضاً حين بدأت ملاحقة النواب في أماكن تواجدهم، من جانب مجموعات من المنتفضين. إلى اليوم، لا يزال عونيون شاركوا فيها، يتحدثون بفخر عن اللحظة التي أثبتوا فيها ولاءهم لرئيس الجمهورية. لكن نجاح محازبي التيار بجمع صفوفهم لم يمنع انفصال بعض النواب وحلفاء التيار عنه بعد محطات متتالية من تعارض الآراء والمواقف من المطالب الشعبية.
في المقابل حملت التظاهرات انعكاسات سلبية على التيار الوطني، وخلفه العهد. علماً أن الإنقاذ الأساسي جاء من جانب حزب الله وخصوصاً في ما يتعلق بقطع الطرق، التي تركز جزء أساسي منها في مناطق نفوذ التيار، إذ لن يتمكن التيار، مهما بالغ في تصوير نجاحه في منع تطويقه واستفراده، من تجاوز شعار أن عهد عون حمل كل هذا الانهيار وإن لم يكن هو المسؤول عنه وحده، خصوصاً أن المتظاهرين، حمّلوا التيار الوطني مباشرة مسؤولية فشل العهد في تحقيق أي اصلاحات، وتشبث رئيس الجمهورية بباسيل رغم كل الاستهدافات التي طاولته.
لم تقف ارتدادات 17 تشرين عند حد العلاقة بين الناس والعهد، بل إن تداعياتها أصابت دفعة واحدة: علاقة التيار على مدى أشهر بالجيش اللبناني، بعدما حيّد الجيش نفسه في أكثر من محطة، أن يكون طرفاً في النزاع، وإن وقعت بعض الأخطاء في مواجهة المتظاهرين. وهو ما ارتد أيضاً في بعض الأحيان على علاقة رئيس الجمهورية بالجيش. علاقة التيار بالقوى المسيحية كافة التي قطعت معها كل علاقات، ولا سيما القوات اللبنانية التي وضعها التيار في مقدم مستهدفيه وصولاً إلى كلمة باسيل الأخيرة. علاقة التيار ببكركي التي تعثّرت بفعل وقوفها إلى جانب المتظاهرين، وإن مع تحييد العهد، وصولاً إلى اعتمادها شعار الحياد.

لن يتمكّن التيار، مهما نجح في منع تطويقه، من تجاوز شعار أن عهد عون حمل كل هذا الانهيار

علاقة التيار بالرئيس سعد الحريري، الذي قدّم استقالته خلافاً لما كان يرغب رئيس الجمهورية، إضافة إلى علاقة متوترة أصلاً مع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي شارك مناصروه في التظاهرات وقطع الطرق. لكن الخرق الوحيد السياسي الذي تزامن مع تداعيات تشرين، هو خروج علاقة التيار بواشنطن إلى الواجهة في سلسلة محطات ولقاءات، وتنسيق على مستويات مختلفة، على وقع تهويل بالعقوبات في مقابل تقديم تنازلات.
في كل هذه الخريطة المتشابكة، لم يتبدل خطاب التيار كردّ على 17 تشرين وملحقاتها من استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل حكومة الرئيس حسان دياب وصولاً إلى تكليف مصطفى أديب واعتذاره. اللبنة الأساسية في الخطاب، هي إظهار وجه التيار المدافع عن المطالب الشعبية، ومكافحة الفساد. لا يخلو كلام للتيار من التذكير بأن المتظاهرين حملوا شعاراته، وأن الحزب يعمل في كل المجالات لإصلاح الدولة ووقف السرقات وتنفيذ المشاريع الحيوية من كهرباء وسدود وتنقيب عن الغاز، من ضمن لائحة طويلة من الإنجازات. إلا أن ذلك لم يساعد في تحقيق خرق في جدار اللاثقة، لا بل العداء بين جمهورين: المتظاهرون والتيار. الجمهور الأول استهدف التيار في صورة مطلقة والثاني استخدم لغة التخوين وتحميل المتظاهرين أجندات خارجية ومناطقية وفئوية. منذ سنة إلى الآن، لم تتبدل مكابرة التيار في النظرة إلى حدث 17 تشرين، ولعل إحدى مفارقات خطابه الأخير من ضمن سلسلة اعتراضاته على أداء المتظاهرين: إقفال المصارف. عند هذه النقطة، يصبح التيار خارج كل ثورة وانتفاضة، وحليفاً مطلقاً لكل من اختلف معهم في الملفات السياسية.

الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى